الفكرة الأساسية
يُعد الاستبيان من أكثر أدوات جمع البيانات استخدامًا في البحوث الجامعية، لكنه في الوقت نفسه من الأدوات التي يسهل تصميمها بصورة غير دقيقة.
إنشاء مجموعة من الأسئلة ووضعها في نموذج إلكتروني لا يعني أن لديك استبيانًا صالحًا للبحث العلمي.
فالاستبيان الجيد يبدأ من أسئلة البحث ومتغيراته، ثم يُبنى بطريقة منظمة حتى تجمع كل فقرة فيه بيانات يحتاج إليها الباحث فعلًا.
ما المقصود بالاستبيان؟
الاستبيان أداة منظمة لجمع بيانات من مجموعة من المشاركين من خلال مجموعة من الأسئلة أو العبارات المحددة مسبقًا.
وقد يتضمن أسئلة عن الخصائص الديموغرافية، أو السلوك، أو المعرفة، أو المواقف، أو التصورات، أو غيرها بحسب موضوع الدراسة.
وتختلف طريقة تصميم الاستبيان وفق نوع البيانات التي يحتاج الباحث إلى جمعها.
هل الاستبيان مناسب لكل بحث؟
لا.
اختيار الاستبيان يجب أن يعتمد على سؤال البحث ونوع البيانات المطلوبة.
إذا كنت تريد قياس اتجاهات أو سلوكيات أو خصائص يمكن للمشارك الإبلاغ عنها بصورة مناسبة، فقد يكون الاستبيان خيارًا جيدًا.
أما إذا كنت تحتاج إلى فهم عميق لتجارب المشاركين أو الحصول على إجابات تفصيلية، فقد تكون المقابلة أو أداة أخرى أكثر ملاءمة.
لذلك يجب اختيار الأداة بعد تحديد المنهج، وليس قبل ذلك.
ابدأ بأسئلة البحث
قبل كتابة أول سؤال في الاستبيان، ضع أسئلة البحث وأهدافه أمامك.
اسأل نفسك:
ما المعلومات التي أحتاج إليها حتى أجيب عن كل سؤال بحثي؟
ثم حدد المتغيرات أو المفاهيم التي تحتاج إلى قياسها.
كل سؤال داخل الاستبيان يجب أن تكون له وظيفة واضحة.
إذا لم تعرف لماذا تحتاج إلى إجابة سؤال معين، فقد لا يكون من الضروري إضافته.
حدد المتغيرات التي تريد قياسها
لنفترض أن الدراسة تبحث العلاقة بين استخدام منصة تعليمية ورضا الطلاب عنها.
هنا قد تحتاج إلى قياس أكثر من مفهوم، مثل معدل الاستخدام ودرجة الرضا وبعض الخصائص المرتبطة بالمشاركين.
لكن مصطلحًا مثل "الرضا" لا يمكن قياسه بمجرد كتابته.
يحتاج الباحث إلى تحديد ما المقصود به وكيف سيقيسه من خلال فقرات أو مقياس مناسب.
استخدم المقاييس المنشورة عندما تكون مناسبة
قبل إنشاء مقياس جديد من الصفر، ابحث عما إذا كان هناك مقياس علمي منشور ومناسب للمفهوم الذي تريد قياسه.
قد يوفر استخدام أداة سبق تطويرها واختبار خصائصها السيكومترية أساسًا أفضل من إنشاء مجموعة عشوائية من الأسئلة.
لكن وجود مقياس منشور لا يعني إمكانية نسخه واستخدامه تلقائيًا.
يجب التأكد من ملاءمته لمجتمع الدراسة ولغتها وسياقها، ومن شروط استخدامه وحقوقه إن وجدت.
كيف تكتب سؤالًا واضحًا؟
يجب أن يفهم المشارك السؤال بالطريقة التي يقصدها الباحث قدر الإمكان.
استخدم لغة واضحة ومباشرة وتجنب المصطلحات المعقدة إذا لم تكن ضرورية.
ولا تجعل المشارك يحاول تخمين المقصود من العبارة.
كلما كان السؤال بسيطًا ومحددًا، قلت احتمالية اختلاف تفسيره بين المشاركين.
تجنب السؤال المزدوج
من الأخطاء الشائعة أن يسأل الباحث عن أمرين في سؤال واحد.
مثل:
"ما مدى رضاك عن سرعة المنصة وسهولة استخدامها؟"
قد يكون المشارك راضيًا عن السرعة وغير راضٍ عن سهولة الاستخدام.
فكيف يجيب بإجابة واحدة؟
الأفضل فصل المفهومين عندما تحتاج إلى قياس كل منهما بصورة مستقلة.
تجنب الأسئلة الموجهة
لا ينبغي أن تدفع صياغة السؤال المشارك نحو إجابة معينة.
مثلًا، استخدام كلمات تحمل حكمًا إيجابيًا أو سلبيًا قد يؤثر في الإجابة.
حاول استخدام صياغة محايدة قدر الإمكان حتى تعكس الاستجابة رأي المشارك، لا الطريقة التي صيغ بها السؤال.
حدد إطارًا زمنيًا عند الحاجة
سؤال مثل:
"هل تستخدم المنصة كثيرًا؟"
قد يكون غامضًا؛ لأن معنى "كثيرًا" يختلف بين الأشخاص.
قد يكون من الأفضل تحديد فترة زمنية أو استخدام فئات أكثر وضوحًا بحسب هدف الدراسة.
مثل السؤال عن عدد مرات الاستخدام خلال أسبوع أو شهر محدد إذا كان ذلك مناسبًا للمتغير الذي يتم قياسه.
اختر نوع السؤال المناسب
يمكن أن يتضمن الاستبيان أسئلة مغلقة أو مفتوحة أو مقاييس تقدير أو اختيارات متعددة وغيرها.
الأسئلة المغلقة تسهل عملية الترميز والتحليل، لكنها تقيد الإجابات ضمن الخيارات التي يحددها الباحث.
أما الأسئلة المفتوحة فتمنح المشارك مساحة أكبر للتعبير، لكنها تنتج بيانات تحتاج إلى معالجة وتحليل مختلفين.
اختيار النوع يعتمد على المعلومات التي تحتاج إليها.
ما مقياس ليكرت؟
مقياس ليكرت من الأساليب الشائعة لقياس الاتجاهات أو درجة الاتفاق مع مجموعة من العبارات.
قد يُطلب من المشارك تحديد مستوى اتفاقه مع عبارة من خلال مجموعة من الاستجابات المرتبة.
لكن تصميم مقياس ليكرت وتحليله يحتاج إلى قرارات منهجية واضحة، مثل عدد فئات الاستجابة وصياغة الفقرات وطريقة تكوين الدرجة.
ولا ينبغي اختيار خمس درجات أو سبع درجات فقط لأن ذلك شائع؛ بل يجب أن يتناسب الاختيار مع الأداة وتصميم الدراسة.
رتب أسئلة الاستبيان بصورة منطقية
ترتيب الأسئلة يؤثر في تجربة المشارك.
يمكن البدء بتعليمات واضحة ثم أسئلة سهلة ومباشرة تساعد المشارك على الدخول في الموضوع.
بعد ذلك تُعرض المحاور الأساسية بطريقة منظمة.
وقد يكون من الأفضل وضع بعض الأسئلة الحساسة أو الشخصية في موضع مناسب بدل البدء بها مباشرة.
المهم أن يشعر المشارك بأن الاستبيان يتحرك بصورة منطقية وغير مربكة.
لا تجعل الاستبيان أطول من اللازم
كل سؤال إضافي يحتاج إلى وقت وجهد من المشارك.
الاستبيان الطويل قد يزيد احتمالية الانسحاب أو الإجابات السريعة غير الدقيقة.
لذلك لا تسأل عن معلومات لا تحتاج إليها.
يمكن مراجعة كل سؤال بالسؤال التالي:
كيف سأستخدم إجابة هذا السؤال في التحليل؟
إذا لم تكن لديك إجابة واضحة، ففكر في حذفه.
انتبه إلى البيانات الديموغرافية
العمر والجنس والتخصص والمستوى الدراسي وغيرها من الخصائص قد تكون مهمة لبعض الدراسات، لكنها ليست مطلوبة تلقائيًا في كل استبيان.
اجمع فقط البيانات التي لها غرض بحثي واضح.
وهذا مهم أيضًا من ناحية حماية خصوصية المشاركين وتقليل جمع المعلومات غير الضرورية.
ما المقصود بصدق الاستبيان؟
الصدق يرتبط بمدى مناسبة الأدلة والتفسيرات المتعلقة بالدرجات أو البيانات التي تنتجها الأداة للغرض المقصود.
ولا يكفي أن تبدو الأسئلة جيدة للباحث حتى نقول إن الأداة صادقة.
توجد أنواع متعددة من أدلة الصدق وإجراءات تقييمها، ويعتمد المطلوب منها على طبيعة الأداة والدراسة.
ما المقصود بالثبات؟
الثبات يرتبط باتساق القياس وفق الطريقة والسياق المستخدمين.
وتوجد أساليب مختلفة لتقديره، مثل بعض معاملات الاتساق الداخلي أو إعادة الاختبار وغيرها بحسب طبيعة الأداة.
لكن ارتفاع معامل ثبات معين لا يثبت وحده أن الاستبيان يقيس المفهوم الصحيح.
فالصدق والثبات مفهومان مرتبطان لكنهما ليسا الشيء نفسه.
اختبر الاستبيان قبل توزيعه
من الخطوات المهمة إجراء تجربة أولية أو اختبار للاستبيان قبل إطلاقه على العينة الأساسية.
قد تكشف التجربة أن سؤالًا غير مفهوم، أو أن بعض الخيارات ناقصة، أو أن الاستبيان يستغرق وقتًا أطول مما توقعت.
وقد تكشف أيضًا مشكلات تقنية في النموذج الإلكتروني أو منطق الانتقال بين الأسئلة.
إصلاح هذه المشكلات قبل جمع البيانات الأساسية يوفر كثيرًا من الوقت لاحقًا.
فكر في التحليل قبل جمع البيانات
قبل نشر الاستبيان، تخيل ملف البيانات الذي ستحصل عليه.
كيف ستُرمز الإجابات؟
ما المتغيرات التي ستنتج؟
ما التحليل الذي ستستخدمه لكل سؤال بحثي؟
هل خيارات الإجابة تسمح فعلًا بإجراء هذا التحليل؟
إذا اكتشفت أن سؤالًا بحثيًا لا توجد في الاستبيان بيانات كافية للإجابة عنه، فمن الأفضل معرفة ذلك الآن وليس بعد انتهاء جمع البيانات.
أخطاء شائعة في تصميم الاستبيان
من الأخطاء المتكررة كتابة أسئلة كثيرة لا ترتبط بأهداف البحث، واستخدام عبارات غامضة، وطرح سؤالين في عبارة واحدة، واستخدام أسئلة موجهة.
ومن الأخطاء أيضًا وضع خيارات إجابة غير شاملة أو متداخلة، وجمع بيانات شخصية لا يحتاج إليها البحث، وإطلاق الاستبيان دون تجربة أولية.
كما أن نسخ استبيان من بحث آخر دون التأكد من مصدره وملاءمته وحقوق استخدامه قد يسبب مشكلات علمية وأخلاقية.
راجع الاستبيان قبل النشر
قبل إرسال رابط الاستبيان، راجع النقاط التالية:
هل كل سؤال يخدم هدفًا أو متغيرًا محددًا؟
هل اللغة واضحة؟
هل توجد أسئلة مزدوجة؟
هل خيارات الإجابة مناسبة؟
هل ترتيب الأسئلة منطقي؟
هل الاستبيان أقصر ما يمكن دون فقد البيانات المهمة؟
هل تم اختبار النموذج؟
هل تعرف مسبقًا كيف ستحلل البيانات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأنت أقرب إلى أداة منظمة وقابلة للاستخدام.
الخلاصة
تصميم الاستبيان العلمي لا يبدأ بفتح نموذج إلكتروني وكتابة الأسئلة، بل يبدأ بمشكلة البحث وأسئلته وأهدافه ومتغيراته.
حدد البيانات التي تحتاج إليها، ثم اختر أو طور الأداة المناسبة، واكتب الأسئلة بوضوح وحياد، واختر خيارات الإجابة بعناية، واختبر الاستبيان قبل إطلاقه.
كل سؤال تضعه في الاستبيان يجب أن يكون له سبب واضح.
فالهدف ليس جمع أكبر قدر ممكن من البيانات، وإنما جمع البيانات الصحيحة التي تساعدك على الإجابة عن سؤال البحث.