الفكرة الأساسية
تُعد مشكلة البحث من أهم عناصر البحث العلمي؛ لأنها تحدد القضية التي ستدور حولها الدراسة، وتؤثر بصورة مباشرة في أسئلة البحث وأهدافه والمنهج المستخدم لجمع البيانات وتحليلها.
وقد يمتلك الطالب موضوعًا جيدًا للبحث، لكنه يواجه صعوبة عند محاولة تحويل هذا الموضوع إلى مشكلة بحثية محددة وقابلة للدراسة.
في هذا الدليل نتعرف على معنى مشكلة البحث، وكيفية الوصول إليها وصياغتها بطريقة واضحة ومترابطة مع بقية عناصر الدراسة.
ما المقصود بمشكلة البحث؟
مشكلة البحث هي القضية أو الظاهرة أو الفجوة المعرفية التي يسعى الباحث إلى دراستها وفهمها أو تفسيرها.
وهي لا تعني بالضرورة وجود "مشكلة" بالمعنى السلبي، فقد تكون ظاهرة تحتاج إلى تفسير، أو علاقة بين متغيرات تحتاج إلى دراسة، أو جانبًا لم يحصل على قدر كافٍ من البحث.
المهم أن تكون هناك قضية محددة تستحق الدراسة ويمكن التعامل معها بأسلوب علمي.
ما الفرق بين موضوع البحث ومشكلة البحث؟
موضوع البحث هو المجال العام الذي تدور حوله الدراسة، بينما مشكلة البحث أكثر تحديدًا.
فمثلًا، يمكن أن يكون "التعليم الإلكتروني لدى طلاب الجامعات" موضوعًا عامًا.
لكن البحث يحتاج إلى تحديد القضية المراد دراستها داخل هذا الموضوع، مثل دراسة العلاقة بين استخدام نمط معين من التعليم الإلكتروني ومستوى التفاعل الأكاديمي لدى فئة محددة من الطلاب.
كلما انتقل الباحث من المجال العام إلى سؤال محدد يمكن دراسته، اقترب أكثر من تحديد مشكلة البحث.
من أين تأتي مشكلة البحث؟
قد تنشأ فكرة المشكلة البحثية من ملاحظة ظاهرة في الواقع، أو قراءة الدراسات السابقة، أو وجود نتائج متعارضة بين عدد من الدراسات، أو ملاحظة جانب لم يحصل على دراسة كافية.
كما يمكن أن تظهر المشكلة من تطبيق نظرية في بيئة مختلفة، أو دراسة ظاهرة لدى فئة جديدة، أو محاولة فهم العلاقة بين عدد من المتغيرات.
لكن وجود فكرة مثيرة للاهتمام لا يكفي وحده. يجب التأكد من إمكانية دراستها وتوافر البيانات والمصادر اللازمة لها.
ابدأ بالقراءة قبل كتابة المشكلة
من الصعب صياغة مشكلة بحث قوية دون معرفة ما كُتب سابقًا حول الموضوع.
ابدأ بقراءة مجموعة من المصادر والدراسات المرتبطة بالمجال، وحاول معرفة الأسئلة التي تناولها الباحثون والنتائج التي توصلوا إليها والجوانب التي اقترحوا دراستها مستقبلًا.
القراءة تساعدك على الانتقال من فكرة عامة إلى مشكلة أكثر تحديدًا، كما تقلل احتمالية بناء الدراسة على افتراضات غير مدعومة.
حدد نطاق المشكلة
من الأخطاء الشائعة اختيار مشكلة أكبر من قدرة البحث على دراستها.
يمكن تضييق نطاق المشكلة من خلال تحديد المجتمع المستهدف أو المتغيرات أو المكان أو الفترة الزمنية أو الجانب المحدد من الظاهرة الذي تريد التركيز عليه.
لا يعني تضييق المشكلة أن البحث أصبح أقل أهمية؛ بل غالبًا يجعل الدراسة أكثر وضوحًا وقابلية للتنفيذ.
اسأل: ماذا أريد أن أعرف تحديدًا؟
بعد القراءة وتحديد النطاق، حاول التعبير عن المشكلة في صورة سؤال بسيط.
ما الشيء الذي لا أعرف إجابته وأريد أن تكشف عنه الدراسة؟
قد يتعلق السؤال بوجود علاقة بين متغيرين، أو اختلاف بين مجموعتين، أو وصف ظاهرة، أو معرفة أسبابها أو آثارها.
إذا استطعت تحديد ما تريد معرفته بدقة، تصبح صياغة المشكلة والأسئلة والأهداف أكثر سهولة.
كيف تُكتب صياغة مشكلة البحث؟
يمكن أن تبدأ صياغة المشكلة بتقديم خلفية مختصرة عن الموضوع، ثم توضيح القضية التي تستحق الدراسة، وبيان ما تشير إليه الأدبيات أو الملاحظات ذات الصلة، ثم تحديد الجانب الذي سيركز عليه البحث.
لا توجد صيغة لغوية واحدة إلزامية لجميع البحوث، فطريقة العرض تختلف باختلاف التخصص والمنهج ومتطلبات الجامعة.
لكن الصياغة الجيدة ينبغي أن تجعل القارئ يفهم بوضوح: ما الذي ستدرسه؟ ولماذا يحتاج إلى الدراسة؟ وما النطاق الذي ستتناوله؟
مثال مبسط على الانتقال من الموضوع إلى المشكلة
لنفترض أن الموضوع العام هو "استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى طلاب الجامعة".
هذه العبارة وحدها لا تحدد مشكلة بحثية.
يمكن تضييق الموضوع إلى "استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتحصيل الأكاديمي".
ثم يمكن تحديد المجتمع ليصبح التركيز على فئة معينة من طلاب الجامعات.
بعد ذلك يمكن أن تتمحور المشكلة حول بحث طبيعة العلاقة بين معدل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتحصيل الأكاديمي لدى الفئة المستهدفة.
هذا مجرد مثال توضيحي، والصياغة النهائية يجب أن تستند إلى الأدبيات والبيانات الفعلية الخاصة بكل دراسة.
ما الفرق بين مشكلة البحث وأسئلة البحث؟
مشكلة البحث تحدد القضية الأساسية التي تتناولها الدراسة.
أما أسئلة البحث فتحول هذه القضية إلى أسئلة محددة تسعى الدراسة للإجابة عنها.
لذلك يجب ألا تبدو أسئلة البحث وكأنها موضوع منفصل عن المشكلة.
كل سؤال رئيسي أو فرعي ينبغي أن يكون له ارتباط واضح بالمشكلة التي حددها الباحث.
ما العلاقة بين مشكلة البحث وأهدافه؟
الأهداف توضح ما الذي تريد الدراسة تحقيقه.
إذا كان أحد أسئلة البحث يبحث في العلاقة بين متغيرين، فمن الطبيعي أن يتضمن أحد الأهداف دراسة أو تحديد طبيعة هذه العلاقة.
لهذا السبب يُفضل مراجعة المشكلة والأسئلة والأهداف معًا، وليس التعامل مع كل عنصر بصورة منفصلة.
خصائص مشكلة البحث الجيدة
المشكلة الجيدة تكون واضحة ومحددة، ولها أهمية علمية أو تطبيقية يمكن توضيحها، ويمكن دراستها باستخدام منهج مناسب.
ويجب كذلك أن يكون نطاقها واقعيًا بالنسبة إلى الوقت والإمكانات والبيانات المتاحة للباحث.
كما ينبغي وجود مصادر وأدبيات كافية تساعد على بناء الخلفية العلمية للدراسة.
أخطاء شائعة في صياغة مشكلة البحث
من الأخطاء المتكررة اختيار مشكلة واسعة جدًا، أو استخدام عبارات عامة لا توضح القضية الفعلية، أو كتابة المشكلة قبل الاطلاع الكافي على الدراسات السابقة.
ومن الأخطاء أيضًا وجود انفصال بين المشكلة وأسئلة البحث وأهدافه، أو افتراض وجود علاقة أو نتيجة قبل إجراء الدراسة دون أساس علمي مناسب.
كذلك لا ينبغي زيادة حجم صياغة المشكلة لمجرد جعلها تبدو أكثر أهمية؛ فالوضوح والدقة أهم من الإطالة.
كيف تعرف أن مشكلة البحث أصبحت واضحة؟
بعد الانتهاء من الصياغة، حاول شرح المشكلة لشخص آخر في جمل قليلة.
إذا استطاع فهم ما الذي ستدرسه، ومن أو ماذا ستدرس، وما السؤال الأساسي الذي تحاول الإجابة عنه، فهذه علامة جيدة على وضوح الفكرة.
ثم راجع المشكلة مقابل عنوان البحث وأسئلته وأهدافه.
إذا كانت جميع هذه العناصر تتحدث عن القضية نفسها دون تناقض أو توسع غير مبرر، فقد وصلت إلى درجة جيدة من الاتساق.
الخلاصة
صياغة مشكلة البحث لا تبدأ بالبحث عن جملة أكاديمية معقدة، بل تبدأ بفهم الموضوع وقراءة الدراسات السابقة وتحديد ما يستحق الدراسة.
انتقل من الموضوع العام إلى القضية المحددة، ثم حدد نطاق الدراسة، وصغ المشكلة بصورة واضحة، واربطها بأسئلة البحث وأهدافه.
كلما كانت مشكلة البحث محددة ومبنية على فهم جيد للأدبيات، أصبح بناء بقية أجزاء البحث أكثر تنظيمًا ووضوحًا.